الشيخ محمد رشيد رضا

378

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك عنهم وجود بعض الصالحين فيهم ، إذ لم يكونوا يخلون منهم . والآية ناطقة بهلاك الظالمين الفاسقين ، ونجاة الصالحين الذين نهوهم عن عمل السوء وارتكاب المنكر ، وسكتت عن الفرقة التي أنكرت على الواعظين وعظهم وانكارهم ، فقيل : انها لم تنج ، لأنها لم تنه عن المنكر بل أنكرت على الذين نهوا ، وقيل : بل نجت ، لأنها كانت منكرة للمنكر مستقبحة له ، ولذلك لم تفعله ، وانما لم تنه عنه ليأسها من فائدة النهي ، وجزمها بأن القوم قد استحقوا عقاب اللّه باصرارهم فلا يفيدهم الوعظ ، وروي هذا عن ابن عباس كما روي عنه أنه كان مترددا في هذه الفرقة حتى أقنعه تلميذه عكرمة بنجاتها . وقد رجح الزمخشري وغيره هذا قال : ( فان قلت ) الأمة الذين قالوا : لم تعظون ؟ من أي الفريقين هم ؟ أمن فريق الناجين أم المعذبين ( قلت ) من فريق الناجين ، لأنهم من فريق الناهين ، وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه ، حيث لم يروا فيه غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم ، وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه ، سقط عنه النهي ، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث . ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر ، والجلادين المرتبين للتعذيب ، لتعظهم وتكفهم عما هم فيه ، كان ذلك عبثا منك ، ولم يكن إلا سببا للتلهي بك . وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنه إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ، ولم يخبروهم كما خبروهم ، أو لفرط حصرهم ، وجدّهم في أمرهم ، كما وصف اللّه تعالى رسوله عليه الصلاة والسّلام في قوله ( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ) اه أقول : ان ما ذكره من سقوط النهي عن المنكر أو وجوب تركه في حالة اليأس من تأثيره مرجوح ولا سيما إذا أخذ على اطلاقه ، وانما هو شأن أضعف الايمان في حديث « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان » رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري ( رض ) وانما تكون هذه الحالة أضعف الايمان عند عدم استطاعة ما قبلها ، فان استطاع النهي وسكت عنه لم يكن له عذر مطلقا ، ولذلك اختلف في هؤلاء الساكنين .